ابن الجوزي
249
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
يوثق به فأوحش المهدي / منه واشتفى الربيع [ 1 ] . وروى القاسم بن الربيع قال : دخل الربيع على المهدي وأبو عبيد الله يعرض عليه كتبا ، فقال له أبو عبيد الله : مر هذا أن [ 2 ] يتنحى - يعني الربيع - فقال له : تنح ، قال : لا أفعل قال : كأنك تراني بالعين الأولى ، قال : لا بل أراك بالعين التي أنت بها ، قال : فلم لا تتنحى إذ أمرتك ، قال : أنت ركن الإسلام ، وقد قتلت ابن هذا ، فلا آمن أن يكون معه حديدة يغتالك بها ، فقام المهدي مذعورا وأمر بتفتيشه فوجد بين جوربه وخفه سكينا ، فردّت الأمور كلها إلى الربيع ، وعزل أبو عبيد الله ، وولي يعقوب بن داود مكانه ، وكان بلغ المهدي من قبل الربيع أن ابن أبي عبيد الله زنديق ، فأتي به ، فأقر بذلك ، فاستتيب فلم يتب ، فقتله وصلبه على باب أبي عبيد الله . أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي ، عن أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي ، عن أبيه قال : حدّثني أبو الحسين علي بن هشام قال : حدّثنا أبو الحسن أحمد بن محمد الكاتب المعروف بابن أبي عمر قال : حدّثنا محمد بن محمد العتابي قال : حدّثنا خالي أبو محمد قال : سمعت إبراهيم بن العباسي الصوفي يقول : حدّثت عن المأمون ، عن الرشيد أنه سمع المهدي يقول : بعد زوال أبي عبيد الله [ 3 ] عن الوزارة ، وتفويض الأمر إلى يعقوب بن داود ، ما رأيت أحزم ولا أفهم ولا أعف ولا أكفأ من أبي عبيد الله ، ولقد كنت أحبه وأجريه مجرى الوالد ، ومذ خدمني اجتهدت أن يدعوني إلى داره فيمتنع ويزعم أنه لا تتسع همته ولا نعمته لذلك فاعتل ، فكتب إلي باستعلاله ، وأنه على الركوب إليّ عازم [ 4 ] بعد يوم أو يومين ، فسابقته فركبت إليه وقلت : قد كنت أجتهد بك أن تدعوني فتأبى ، وقد جئتك جامعا للعيادة والتهنئة بالعافية والدعوة ، فقال : والله يا أمير المؤمنين : ما لي طعام ولا غلمان ولا زي يصلح لدعوتك ، فقلت : قد فرغت لك من ذلك وتقدمت إلى غلماني بحمل الآلات والطعام ، وإنما أردت تشريفك والأنس بك ، وجاء الغلمان بالآلات / وجلسنا فأكلنا وجعل يتحفني بالفاخر من الفرش والآنية والآلات التي في بيته 113 / أهدية لي ، فأخذت أحسنها فازداد ابتهاجا ، فلما أردت الانصراف قال لي : أريد أن أبكي
--> [ 1 ] انظر : تاريخ الطبري 8 / 137 - 139 . [ 2 ] « أن » ساقطة من ت . [ 3 ] في الأصل : أبي عبيدة . [ 4 ] « عازم » ساقطة من ت .